بعد أن تضامنت الجمعيات الأهلية مع التعديلات المقترحة من المجلس القومي للأمومة والطفولة لقانون الطفل، ووصفوه بأنه قانون مجتمعي، وشدَّدوا على المرجعية الدولية المتمثِّلة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل وكافة المواثيق الدولية الأخرى التي التزمت مصر بتنفيذها؛ عقدت تلك الجمعيات حلقاتٍ نقاشيةً حول هذه التعديلات غير المبرَّرة في جميع المحافظات، وخاصةً قضايا ختان الإناث وإثبات النسب والرؤية وقضايا الحماية من كافة أشكال العنف الموجَّه للأطفال.
الجمعيات التي اعتبرت نفسها مسئولةً عن أطفال مصر الذين تفوق نسبتهم 40% من تعداد السكان طالبت بتعديل قانون الطفل رقم 12 الصادر سنة 1996 وإحكام خضوعه للمواثيق الدولية كما ورد حرفيًّا في مستهل نص مشروع التعديلات، رغم أن هذه المواثيق ليست فقط "سيئة السمعة"، ولكنها أيضًا مشبوهة الهدف والغرض.
فـ"وثيقة الطفل" المصدَّق عليها في الأمم المتحدة في 10 من مايو 2002، وكذلك وثيقة الأمم المتحدة "عالم جدير بالأطفال"، بالإضافة إلى الوثيقة المطروحة حاليًا في الأمم المتحدة "إزالة جميع أشكال التمييز ضد الطفلة الأنثى".. كلها مواثيق تفيض علينا بالفجور والدعوة للشذوذ والرذيلة والانحلال الأخلاقي الذي عشنا بعيدًا عنه بإسلامنا وشرقيتنا المحافظة، وبعد أن طبَّقها الغرب ودمرته، وأحالت المجتمع هناك لمسخ مشوَّه؛ التفتوا لنا بعين الحقد والغيرة ليردونا عن ديننا وعفة مجتمعاتنا لنتبع ملَّتهم حتى يرضَوا.
وعدٌ بالفجور
الوفد المصري لدى الأمم المتحدة وعد- في الاجتماع الحادي والخمسين الذي انعقد لاستعراض إنجازات حكومات الوفود الرسمية للدول الأعضاء بشأن تطبيق وثائق الأمم المتحدة للمرأة والطفل والتغييرات المزمع إجراؤها- بالسعي لرفع السن الدنيا لزواج الفتاة في مصر إلى 18 عامًا؛ مما يفتح الطريق للزواج العرفي والعلاقات غير الشرعية بحكم القانون الدولي الذي يحرِّم ما أحلَّ الله، ووعد كذلك بالسعي لضمان حقوق الطفل المولود خارج نطاق الزواج.
أمر طبيعي ومتسلسل، بل منطقي جدًّا؛ فبعد رفْع سن الزواج ووضع قيود أخرى فوق تلك الاقتصادية والاجتماعية الموجودة أصلاً، والتي رفعت نسبة العنوسة وهدَّدت المجتمع بالانفجار، لا بد أن نسعى لحل مشكلة نتاج الانحلال الذي مهَّدنا له التربة ليكن ذلك الحل بمثابة العناية الفائقة بغرس النبت الشيطاني في رحم المجتمع المسلم.
الوعد الأخير كان برفع التحفظات عن اتفاقية حقوق الطفل، والسعي إلى توفيق قانون الطفل لعام 1996 مع بنود الاتفاقية، وهو الوعد الذي جاء مشروع تعديلات قانون الطفل صارخًا بكلماته ومعناه.
وثيقة "عالم جدير بالأطفال"
عندما نطالع مواد وثيقة الأمم المتحدة "عالم جدير بالأطفال" سنجد أنها تضم عدة دعاوى مريبة بإقصاء موقع الدين في حياة الإنسان، وتهميش دور الأسرة، والترويج لمفهوم تحديد الجنس الحيادي والدعوة إلى الشذوذ حتى بين الأطفال، وتقديم الخدمات الإنجابية والجنسية للأطفال والمراهقين.
وتزعم الوثيقة الأصولية الدينية أنها صاحبة الدور الأكبر في قهر الفئات الضعيفة في المجتمع ومنها الطفل، وكما هو الحال في الإعلان العالمي لحقوق الطفل الصادر عام 1990؛ فقد تم استبدال لفظ الدين بلفظ "spirituality"، ومعناه الروحانيات؛ وهو معنى شديد البعد عن معنى لفظ "الدين" في إسلامنا الذي يحمل شمول التشريعات الحاكمة لمجريات حياتنا كلها ويُنشئ الأبناء عليها، وليس روحانية للنفس فقط.
الحريات والشذوذ
وترى الوثيقة ضرورة إخراج الطوائف المستضعفة، كالمرأة والطفل، من سياق الأسرة التي تعيق بضوابطها التقليدية (المقصود بذلك الدين والنظم الأخلاقية) استمتاعها بحرياتها وكامل حقوقها، كما أوكلت الوثيقة مهمة رعاية الصغار إلى مؤسسات.
وتروِّج الوثيقة التي صاحبت الدعوة لمصطلح "الجندر" الذي جاء أول ذكر له في الإصدار الرابع للوثيقة في البند 28 الفقرة 11، مستندةً إلى دعوى أن الناس يولدون محايدين، وأن المجتمع يظلمهم بتصنيفهم إلى ذكور وإناث.
فـ"الجندر" مصطلح مبهَم وغامض، كثُر ذكره في الآونة الأخيرة في الوثائق الدولية؛ فهو يعني النوع الإنساني بما يشمل المرأة والرجل معًا وغيرهما من الشواذ؛ بمعنى توحيد اللفظ "جندر" كبديلٍ عن قول رجل أو امرأة أو شاذ.
تكمن خطورة فلسفة "الجندر" في وثيقة الطفل فيما حمله من دعوةٍ لتعليم الطفل أنماطًا جديدةً تتعلَّق بحياته، مثل: أن يُترك الطفل يكتشف نوعه من خلال سلوكه الاجتماعي، سواءٌ كان هذا السلوك متماشيًا مع جنسه وتركيبه الجسماني أو مخالفًا له، وأن يقوم الطفل باكتشافِ سلوكه الجنسي بالممارسة الجنسية، سواءٌ كان سلوكًا طبيعيًّا أو شاذًّا دون أي توجيه أو تدخل من الأبوين؛ فإن هذا- تبعًا لمفهوم "الجندر"- نابع من طبيعة الطفل التي قد تجعل منه طبيعيًّا أو مغايرًا لأقرانه، أي شاذًّا!! بينما إسلامنا يحذِّر من خطورة التخنُّث، فضلاً عن الدعوة إليه وإلغاء الفوارق البيولوجية بين الذكورة والأنوثة.
الإيدز والشذوذ
واعتبرت وثيقة "حقوق الإنسان العالمية" الشذوذ حقًّا من حقوق الإنسان حسب ما ورد فيها، وأنه لا يصح أن يتصادم موضوع معالجة الإيدز من قريب أو بعيد مع قضية الشذوذ الجنسي؛ باعتبارها قضيةً من قضايا حقوق الإنسان المعتَرف بها؛ وذلك على الرغم من الارتباط الوثيق بين انتقال الإيدز والشذوذ.
وقد جاء في الإصدار الرابع للوثيقة في البند رقم 44 الفقرة 2: "التأكد أنه مع إطلالة عام 2010 يكون لدى 95% من الشباب والشابات فيما بين سن 15- 24 سنة المعلومات والتعليم وكافة الخدمات الضرورية لتطوير المهارات الحياتية اللازمة التي تساعد على تقليل إمكانية العدوى بمرض الإيدز"، ويقصد بالخدمات الضرورية استخدام (موانع الحمل، مثل الواقي الذكري أو الأنثوي) لممارسة الشذوذ دون الإصابة بالمرض (الشذوذ الآمن)!!
لكن في إسلامنا فالدعوة صريحة لثقافة "العفة" والأخذ بالضوابط الأخلاقية التي تكفل خير وقاية لمكافحة المرض، وهي التربية الأخلاقية التي يدعم تنشئة أبناء الأمة عليها.
المراهِقة والإجهاض!!
الوثيقة تعتبر هذه الخدمات خيارًا شخصيًّا للمراهقة الحامل بأي صورة، بما فيها خدمة "الإجهاض الآمن"؛ حيث للمراهقة الحق في إجهاض نفسها متى شاءت كي تتحكم في حياتها كما يفعل المراهق.
وأكَّدت الوثيقة توفير هذه خدمات الجنس الآمن في سنٍّ أقصاه 15 إلى 20 عامًا، أي أنها حقٌّ للمراهقين والأطفال قبل ذلك السن الأقصى.
أما في "وثيقة الطفل" الدولية التي يريد المجلس القومي للطفولة والأمومة إحكام الخضوع لها سوف نجد (المادة 37 الفقرة 3، والمادة 44، الفقرة 4) تدعو لإتاحة خدمات الصحة الإنجابية للفتيات والفتيان في المراحل الإعدادية، وهذا إقرار صريح بحقهم في ممارسة الجنس خارج نطاق الزواج، وفي المادة (15) دعوة إلى الاعتراف بالأسر المتنوعة (أي طبيعية وشاذة) والتي تعني بحروف أخرى الاعتراف بالحق في الشذوذ الجنسي!!.
وثيقة الطفلة الأنثى
أما عن "وثيقة الطفلة الأنثى" فبنودها لم تأت بأقل مما فات من فجور؛ فالفقرة 115 تقضي "بحق" الأنثى أقل من 18 سنة في تحديد متى تصبح ناشطةً جنسيًّا، ولو عدنا لباقي بنودها لوجدنا أن سن الطفولة حُدِّد أن ينتهيَ عند 18 عامًا، ولوجدنا أنها تحارب الزواج المبكر وتعتبره شكلاً من أشكال العنف ضد الفتاة؛ الأمر الذي نادى المجلس القومي للطفولة والأمومة المصري وفقًا له بمنع الزواج للفتيات أقل من 18 عامًا.. فما هذا التناقض وتلك الإباحية الصارخة؟! نمنع في قانون الزواج أقل من 18 عامًا، ونلتزم بوثيقة دولية تقر حق النشاط الجنسي لأقل من 18عامًا؟!
أما الفقرات أرقام 27، 82، 130 من الوثيقة فأوصت بتوفير معلومات الصحة الجنسية والإنجابية للأطفال وللمراهقين؛ لتعليمهم ممارسة الجنس الآمن في المدارس شريطة توفير وسائل منع الحمل والوقاية من مرض الإيدز!!
الدين وحقوق الشاذات
وفي الفقرة رقم 96 جاء الحديث عن الحرية للفتيات السحاقيات، والحق في تحديد الهوية الجنسية للفتيات والتوجُّه الجنسي لهن باختيار جنس الشريك، ولم تنس حق الشاذات في التعبير عن آرائهن حول الشذوذ.
أما الفقرة 49 من الوثيقة فتعتبر الدين- خاصةً في الدول التي تعتبر فيها الدين أساس التشريع- مقيِّدًا للحرية ويحد من فرص المساواة (قضية الميراث الإسلامي)؛ الأمر الذي رأيناه في كافة مواثيقهم الدولية؛ بدءًا من جنيف، وانتهاءً بالسيداو وبروتوكولاتها وحملاتها لرفع التحفظ العربي عنها، والتي نادت في كل دولةٍ عربيةٍ زارتها بضرورة التحرُّر من الطابع الديني الذي يسيطر على التشريع ويعيق الحريات، ونادَوا بتبجُّحٍ باعتبار المواثيق الدولية هي المرجع الأول للتشريع.. نترك الإسلام وأحكام الله لنستمد مرجعيتنا من مجتمعات الغرب والانحلال!!
ولم تنس الوثيقة مفهوم "العذرية" التي افتقدوها ونسَوها في عالمهم، فوصفتها في الفقرة 48 بأنها نوعٌ من الكبت الجنسي، واعتبرتها أحد أشكال التمييز ضد الطفلة الأنثى.
تعديلات قانون الطفل
تلك هي حقيقة الوثائق الدولية التي لا تخفى عن دعاة المواءمة المحكمة مع المرجعية الدولية؛ الذين صاغوا تعديلاتهم بلسان غربي حَرَصَ على الوفاء بالوعد السابق ذكره، وجاءت التعديلات بالعديد من البنود المخالفة لواقع وثقافة مجتمعنا، وكان أكثرها خطورةً وإثارةً للجدل خمسة بنود تتعلق بـ:
1- تجريم ختان الإناث:
رفض كلٌّ من الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية البند 116 مكرَّرًا (ب)، ونصه: "معاقبة كل من يجري أو يشرع في إجراء ختانٍ لإحدى الإناث بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تتجاوز سنتين، أو بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تتجاوز خمسة آلاف جنيه".
2- ورفع سن الزواج لـ١٨ عامًا.
3- واشتراط توقيع الكشف الطبي للمقبلين على الزواج وإلا بطل العقد:
البند 7 مكرَّرًا (د) ونصه: "عدم جواز توثيق عقد الزواج لمن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة، ويشترط لتوثيق العقد أن يتم الفحص الطبي للراغبين في الزواج للتحقق من خلوهما من الأمراض، ومعاقبة من يخالف ذلك بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين".
4- ونسب المولود لأمه أو من يعترف بأبوته وأمومته:
"للأم الحق في الإبلاغ عن وليدها وقيده بسجلات المواليد واستخراج شهادة ميلاده منسوبًا إليها كأم".
5- حق الطفل بالتقدم بالشكوى في حين تعرض للعنف والإيذاء من جانب والديه أو متولي أمره وتنقل رعايته لأسرة أخرى أو دار رعاية دون تحديد ما هو نوع التأديب الذي يعده ذلك القانون "عنفًا" ضد الأطفال.. وما هي حدود الاستقلال الذي سيناله الطفل بحياته وممارسته حريته دون أي "عنف" أو تدخل من الآباء؟!
المادة 99، وتنصُّ على: "من حق لجان حماية الطفل إيداعه مؤقتًا لحين زوال الخطر عنه لدى عائلة أخرى".
المادة 54، وتنصُّ على: "معاقبة الحاضن للطفل إذا ما أعاقه عن التعليم الأساسي بالحبس مدة لا تقل عن شهر، وأكَّد ضرورة أن يُكتفى بالعقوبة المالية؛ حفاظًا على رعاية باقي أطفال الأسرة".
وقد سبق وتحفَّظ د. سيد طنطاوي شيخ الأزهر على مشروع القانون الجديد ومقترحات تعديله، وقام بتحويله إلى لجنة البحوث الفقهية التابعة لمجمع البحوث الإسلامية ووعد بعدم التراخي في دعم البنود التي تحقق الحماية والرعاية وحقوق الإنسان كما نصَّ عليها ديننا الحنيف وشريعتنا السمحة.
وعلم مصدرنا أن اللجنة أصدرت تقريرها الرافض لاقتراحات المجلس القومي للأمومة والطفولة.
 |
|
د. مصطفى الشكعة |