آخر ما تفتقت عنه أذهان بعض مَن يكتبون الحديث عن عطايا السلطان وهباته للإخوان، وما تلوكه ألسنة البعض ببجاحة منقطعة النظير عن انتهازية الإخوان ومهادنتهم للنظام الفاسد المفسد، والتحرك السياسي وفق مصالحهم الشخصية الضيقة، بعيدًا عن المصالح العليا للوطن.. إلخ هذا الهراء.
ليست القضية فيما يفتكسه هؤلاء؛ فلم يعد يخفى على أحد بواعث الكتابة الصحفية في بلادنا، ولكنَّ المثير للاشمئزاز هو انعدام الرؤية والبصيرة بصورةٍ مخزية.
فمَن أراد أن ينافق مَن بيدهم الذهب والسوط، له ما يشاء، ولن يعاتبه أحد شرط ألا يستهزئ بعقولنا وهو يرتدي رداء المدافعين عن الحرية والإنسانية وحقوق البشر والغجر والبقر.. إلخ.
فعندما يتقيَّأ هذا الكاتب أو ذاك افتاكساته الماسخة، لم يلتفت حوله، إذْ كانت هناك في الوسط السياسي رؤية مخالفة تمامًا لما يطرحون ويجمعون ويقسمون من انتهازية الإخوان، وتصديرهم مشكلاتهم، وإرهاق المجتمع بما لا يعنيه.
فالمعنيون بالسياسة يدَّعون أن الإخوان لا يستغلون الفرص بما فيه الكفاية، والدليل الأخير هو غضب القوى المعارضة لإحجام الإخوان الرسمي عن المشاركة في إضراب 6 أبريل الفائت.
ويرجع الكثيرون شراسة الدولة في تعاملها مع الإخوان إلى وداعة الإخوان والتزامهم بالهدوء وامتصاص الصدمات والصواعق التي تُنزلها بهم يد البطش والطغيان والإفساد والديكتاتورية، وهو ما يتبناه هؤلاء الكُتَّاب أنفسهم في العديد من المناسبات مسفهين من مواقف الإخوان السلمية!.
لعلنا لسنا بحاجةٍ للتساؤل: ما هو المطلوب من الإخوان على وجه التحديد؟ هل المطلوب أن يصمت الإخوان إزاء التنكيل بهم؟
هل المطلوب من كل إخواني إذا ظُلم أو سُلب حقه في أي مكانٍ في الصحراء أو البستان أن يختبئ عن الأنظار ويأخذ في ترديد: أنا إخواني أنا محظور.. أنا إخواني أنا محظور..!!!!
هل مطلوب من الإخوان أن يدعوا ويتبنوا فعاليات تدمير وإشعال الفتن هنا وهناك من أجل الظلم الذي ينالهم حتى يرضى عنهم المعارضون الأشاوس؟
إن منهج الإخوان الإصلاحي الوسطي قد لا يفهمه مَن كان في أقصى اليمين وكذلك مَن ارتضى أن يكون في أقصى الشمال.
وخير ما يرد به على أمثال هذه التشوهات العقلية التي لا تخشى إلا مصالحها الضيقة وتدعي بصفاقةٍ فكرية انتهازية الإخوان، هو ما أزعج إحدى الدكتورات وكتبته في صحيفة "البديل" متعجبةً ومندهشةً لموقف الدكتور عصام العريان القيادي الإخواني في الجمعية العمومية الأخيرة لنقابة الأطباء حين سمعته- ويا لهول ما سمعت- يذكر النقيب ويُركِّز على أن قضية كادر الأطباء الذي يطالبون به قضية مهنية وليست سياسية.
لم تُصدِّق الطبيبة نفسها أن يصدر هذا الكلام من عصام العريان؛ فراحت تحلل وتستنبط وتفهم الوضع السيئ لما نحن فيه سياسيًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا، فالإخوان للأسف- حسب ما توصلت إليه- يهادنون الحكومة من أجل مصالحهم الصغيرة في مقابل مصالح الوطن الكبرى!.
وهكذا.. لا نجد أحدًا يسأل نفسه: ماذا فعلتُ أنا؟
ولكن الكل: يسأل لماذا فعل الإخوان؟ ولماذا لم يفعل الإخوان؟
نعم.. إنه قدر الإخوان ومسئوليتهم التي حملوها راضين محتسبين أجرها من المولى تبارك وتعالى، ولكن عندما تنعدم الرؤية وتطمس البصيرة يكون العجب والدهشة!، فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: مَن المستفيد في الدرجة الأولى إذا تحوَّلت القضية إلى خصومةٍ سياسيةٍ مع الدولة في قضية مثل كادر الأطباء؟.
إن النظرةَ السياسيةَ النفعية الانتهازية تقول: عصام العريان؛ فهو الطبيب السياسي الذي يستضيفه النظام كل فترةٍ في سجونه للتنكيل به لمواقفه الوطنية المعروفة ومطالبته بالإصلاح السياسي.
والنظرة النفعية تقول إن الإخوان هم القادرون بشهادة الجميع على إنجاح الإضراب لو شاءوا، غير أن الفوضى وتدمير البلاد والعباد لا نقول خطوط حمراء عندهم، بل هي محرمات شرعية في عقيدتهم.
إن العريان عندما يصرُّ على وضع كادر الطبيب في سياقه المهني ومحاولة عدم استغلاله سياسيًّا يستحق الإكبار والتقدير لترفعه ونبل خلقه في تعاطيه القضايا المهنية وعدم استغلالها لمصلحته السياسية، تمامًا كحرص الإخوان على تجنب الفوضى والتدمير مهما كانت النتائج المتوقعة مغرية للنيل من الخصوم السياسيين.
إن الفصل بين المهني والسياسي، وبين الحق في الإضراب ورفض العشوائية والفوضى أمر صعب، غير أن الإخوان ومظاهراتهم وفعالياتهم ومؤتمراتهم وتجمعاتهم المليونية تشهد بصدق رفضهم العنف والفوضى بشتى صورها.
فإذا ما خرج علينا مَن يُريد استفزاز الإخوان بأحكامٍ جائرة، ومصادرات فاجرة، نذكره أن الإخوان يحتسبون الأجر عند الله سبحانه.
أما إذا ما اتهمهم مغرض أو جاهل بالانتهازية؛ فسنحيله إلى الأحكام العسكرية الأخيرة فلربما بقي عنده شيء من حياء البشر أو البقر!.