|

وبينما فسر أحد تلك القيادات هذا الموقف بأنه "إستراتيجي" يهدف لـ"التهدئة"، لم يستبعد آخرون، اللجوء لخيار التحالف مع المعارضة اليسارية للضغط على حكومة بيرلسكوني بهدف ضمان حقوق الأقلية المسلمة.
وجاء رد الفعل الذي وصف بـ"الحذر" على غير ما توقعه المراقبون نظرا لأن ائتلاف "يمين الوسط" الذي يتزعمه بيرلسكوني يضم بعض الأحزاب اليمينية شديدة التطرف مثل "حزب رابطة الشمال" المعروف بعدائه الشديد للمهاجرين عامة والمسلمين خاصة.
كما أنه يأتي بعد تصريحات لبيرلسكوني قبل أيام قليلة تعهد فيها بتجهيز الشرطة الإيطالية لتكون بمثابة "جيش الخير" الذي يواجه "جيش الشر" من المهاجرين خاصة القادمين من خارج دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما اعتبره مراقبون "تهديدا مستترا" للمسلمين الذين يشكلون غالبية المهاجرين القادمين من خارج الاتحاد.
"لا تخوف"
وقال د. محمد نوري دشان رئيس اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا –في تصريحات خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت" عبر الهاتف–: "ليس لدينا تخوف" من عودة بيرلسكوني للحكم للمرة الثالثة. مشيرا إلى أن تصريحات بيرلسكوني الأخيرة بشأن "جيش الشر" تشير إلى المهاجرين غير الشرعيين عامة وليس المهاجرين الحاصلين على الجنسية أو إقامات قانونية في البلاد.
وأضاف: "تعاملنا مع بيرلسكوني من قبل ونعرف سياساته"، معتبرا أن المسلمين لم يجدوا صعوبات في حكومتيه السابقتين باستثناء تشديده للقوانين المتعلقة بالإقامة والهجرة خلال حكومته الثانية.
كما اعتبر أن الأسماء التي طرحها بيرلسكوني لتولي حقيبة الداخلية "مقبولة" من قبل الأقلية المسلمة مثل وزير الداخلية الأسبق كلاوديو سكايولا ووزير العدل الأسبق روبرتو ماروني، والاثنان عملا تحت رئاسة بيرلسكوني في السابق.
وبدوره، قال د. علي أبو شويمة رئيس المركز الإسلامي في ميلانو: "إنه بلا شك أن اليمين بصفة عامة لديه قرارات متشددة ضد المهاجرين الأجانب غير الشرعيين، لكن هذا لا يعني أن الحكومة ستتخذ مواقف متشددة بالنسبة للمسلمين".
واعتبر أبو شويمة –في تصريحات خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت" عبر الهاتف- أن "المسلمين حصلوا على حقوق من اليمين أكثر مما حصلوا من اليسار لحب اليسار للمسلمين، لكن كمحاولة من اليمين لنفي اتهامات موجهة لهم بأنهم عنصريون يعطون المسلمين بعض الحقوق".
وأردف: "أما اليساريون فيحاولون بدورهم أن ينفوا اتهامات موجهة لهم بأنهم يحابون المسلمين والمهاجرين، فينزعون أحيانا حقوقا كانت قد منحت للمسلمين كي ينأوا بأنفسهم عن هذه الاتهامات".
ولفت إلى أن وزير الداخلية الأسبق في عهد بيرلسكوني جوزيف بيسانو كان أكثر اعتدلا من غيره حيث شكل هيئة استشارية من المسلمين للوزارة عام 2004 بهدف استشارة المسلمين في أي قوانين أو إجراءات تتخذها الحكومة بشأنهم، ومناقشة شئون الأقلية.
وأكد أن برنامج بيرلسكوني الانتخابي لم يتضمن أي شيء عن المسلمين سواء أكان يتعلق بمنحهم حقوقا أو بنزع حقوق منهم.
"هناك تخوفات"
في المقابل، أعرب د. أبو الخير بريغش رئيس الرابطة الإسلامية بإيطاليا عن أن "تخوفات المسلمين من عودة اليمين للحكم موجودة"، وقال: "هذه التخوفات ليست بسبب بيرلسكوني أو برنامجه، إنما بسبب حلفائه من اليمين المتطرف"، خاصة حزب "رابطة الشمال" الذي يعلن "عداءه للوجود الإسلامي في أوروبا عموما وإيطاليا خاصة".
وأوضح –في تصريحات خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت" عبر الهاتف– أن "برنامج بيرلسكوني لم يتضمن أي مساس بالمسلمين لكن تصريحات زعماء حزب رابطة الشمال في السابق كانت واضحة وصريحة بشأن المسلمين، وتدل على أنهم لا يألون جهدا في العمل على إغلاق المساجد والتضييق على المسلمين".
وأضاف: "ولكونهم حصلوا على نسبة كبيرة وغير متوقعة من المقاعد في البرلمان فسيكون لهم دور في الحكومة ومن المتوقع أن تسند لهم وزارات مهمة، وهذا ما يثير التخوف".
وعلى الرغم من "تخوفه"، فقد أعرب بريغش عن أمله في أن تتسم الحكومة المقبلة "بشيء من الحكمة" مع الأقلية المسلمة التي تقدر بنحو مليون مسلم.
وحول ما أبداه قادة آخرون للأقلية من "عدم تخوف" لعودة اليمين إلى الحكم، قال بريغش: "إن ردود الفعل الحذرة والهادئة من قبل المسلمين بعد الفورة اليمنية تأتي في إطار من موقف إستراتيجي لقادة الأقلية المسلمة وليس خوفا من ردة فعل".
وأضاف أن هذا "الموقف الإستراتيجي يهدف إلى التهدئة ومد الجسور"، مشيرا إلى أنه "رغم وجود أصوات متطرفة داخل تحالف بيرلسكوني فإنه يوجد أيضا الكثير من العقلاء يمكن التحاور معهم".
تباين السبل
وتباينت أراء القادة الثلاثة حول السبل التي ستتبعها الأقلية المسلمة لتحقيق مطالبها في ظل حكم اليمين، لكنهم اتفقوا على أن الأقلية أضعف من أن تؤثر سواء على اليمين أو اليسار في ظل انقسامها وتعدد أصواتها وعدم وجود مظلة واحدة تجمع عشرات المنظمات والمراكز الإسلامية المقسمة في البلاد.
وأعرب د. محمد نوري دشان عن اعتقاده بأن "أغلبية ممثلي المسلمين في إيطاليا سيلجئون إلى التحالف مع اليسار كنوع من الضغط على الحكومة لتحقيق مطالبهم، بدلا من التواصل المباشر مع الحكومة، وذلك لضعف موقفهم وعدم وحدة كلمتهم".
وأضاف: "على الأقلية أن تبحث لحلول عن أمورها، وعندما تعرف كيف تقدم نفسها وتقدم مطالبها حينها لن تواجه أي صعوبات في التعامل مع أي حكومة سواء كانت يمينية أم يسارية".
أما د. علي أبو شويمة فقال: "إن المسلمين أضعف من أن يؤثروا سواء على اليمين أو اليسار، لكننا نتطلع للعمل مع الحكومة كحكومة للبلاد، وباعتبار أننا مواطنين في هذه البلاد".
ومن جانبه، فقد أعرب د. أبو الخير بريغش عن اعتقاده بأن ممثلي الأقلية سيتجهون للحكومة فيما يتعلق بأي مطالب أو حقوق تتعلق بالمسلمين، لكنهم سيبقون في الوقت ذاته على علاقتهم مع اليسار "الذي نقدر مواقفه الإيجابية" من المسلمين.
وقال: "قبل الانتخابات اتصلنا بأكبر عدد من المرشحين سواء من اليمين أو اليسار لمد جسور مع الجميع، ونقول نعم لإقامة علاقات جيدة مع المجتمع ككل بمختلف طوائفه".
فوز كاسح
وحقق بيرلسكوني وائتلافه "يمين الوسط" فوزا كاسحا في الانتخابات الأخيرة التي أجريت يومي 12 و13 إبريل الجاري، وحاز أغلبية مطلقة في مجلسي النواب والشيوخ.
وصرح يوم الثلاثاء الماضي بأنه يعكف حاليا علي تشكيل حكومته، مشيرا إلى أنه من المتوقع أن يعلن التشكيل النهائي في غضون أسبوع، وسبق لبيرلسكوني أن تولى رئاسة الحكومة الإيطالية مرتين في السابق.
وأثار بيرلسكوني غضب المسلمين في إيطاليا والعالم الإسلامي عام 2001 عندما صرح قائلا: "إن الحضارة الإسلامية لا ترتقي إلى مستوى الحضارة الغربية التي هي أرقى وأسمى"، وقد اعتذر بيرلسكوني عن هذه التصريحات في وقت لاحق من العام نفسه في خطاب له أمام مجلس الشيوخ.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أنه يعيش في إيطاليا حوالي مليون و200 ألف مسلم، بينهم حوالي 20 ألف إيطالي معتنق للإسلام، ويتوزع غالبية مسلمي إيطاليا بين العاصمة روما في الوسط، وميلانو في الشمال. |