|

وساعد على هذا التغير زيادة حراك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في السنوات الأخيرة بين القبائل، بحسب مراقبين.
وجسدته بوضوح قبائل العنسيين والجعاشن من محافظة آب جنوب العاصمة صنعاء، حين استخدمت مؤخرا لنماذج عدة من الوسائل السلمية، مثل الاعتصامات والتخييم أمام المؤسسات الرسمية لمطالبة الدولة بالتدخل لإيقاف ظلم يقولون إنه وقع عليهم من الشيخ محمد المنصور أحد مستشاري الرئيس علي عبد الله صالح.
وتفننت القبيلتان في استخدام أساليب تلفت الصحافة والرأي العام اليمني والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية إلى قضيتهم المستمرة حتى الآن منذ 40 عامًا والمعروفة بقضية (مهجري الجعاشن والعنسيين).
فتارة يعقدون مؤتمرًا صحفيًّا، وتارة ينصبون خيم أمام مجلس النواب (البرلمان) وتارة يجلبون عائلاتهم نساء وأطفال إلى العاصمة صنعاء ويتركونهم يتحدثون للصحافة ما يشاهدونه، ووصل التفنن إلى إحراق ثيابهم.
وخلال الاعتصامات رفعوا لافتات تنتقد الشيخ المعروف بقصائده المدحية للرئيس صالح، مثل "شاعركم يا سيادة الرئيس مدحكم وشردنا".. "الأديب شل (أخذ) البقرة والحليب".
وبرغم أن اللجنة البرلمانية الخاصة المكلفة بالاستماع إلى شكاويهم أشارت إلى أن "المواطنين العنسيين والجعاشن يتعرضون إلى ممارسات غير قانونية من قبل الشيخ المنصور والتي تتمثل في السجن وفرض الجبايات وتحصيل الواجبات بمبالغ باهظة حتى من غير المكلفين بها شرعاً".
لكن مجلس النواب اكتفى بدعوة الحكومة إلى "إلزام السلطة المحلية بمحافظة آب بسرعة حل مشكلة المهجرين، وإلزام الشيخ بتوصيات مجلس النواب بعدم التدخل في شئون الدولة".
قصص مشابهة
ولم تكن قضية الجعاشن والعنسيين الوحيدة فإن هناك قصصا مشابهة لقبائل مع مشايخهم، لكنها أقل اهتماما من قبل الصحافة، حيث تحول معظمها أمام القضاء لشكل خلافات شخصية كقضية الشيخ شعيب الفاشق في تهامة بمحافظة الحديدة مع مواطنين أحدهما يدعى (قطاب) والآخر (الدرسي).
فقصة هذين المواطنين خرجت للصحافة نظرًا لفرارهما وتقديم دعاوى قضائية بمساعدة منظمات حقوقية، فالأول تعرض للتعزير وحلق رأسه على شكل صليب؛ نظرا لأنه ناشط سياسي في حزب الإصلاح المعارض، وانتهت القضية باعتذار علني للرجل وللحزب.
أما الثاني فقال إنه تعرض للتعذيب الجسدي، وأدخل سجنه الخاص على ذمة خلاف مع صاحب أرض كان يعمل معه الدرسي والذي رفض أمر الشيخ بعدم العمل معه.
وأنكر الشيخ الفاشق أمام القضاء التهم الموجهة إليه وقال: "هذه الاتهامات لعبة سياسية تتخذها المعارضة للتشويه"، لكن التقرير الطبي كشف عن تعرض الضحية لوسائل تعذيب بشعة بينها إدخال أداة حادة في مؤخرته.
وفي صورة أكثر وضوحا تظهر مدى تطور فهم القبائل للحقوق والواجبات اعتصم أكثر من مرة شيوخ قبائل من محافظة حجة أمام وزارة الداخلية، مطالبين بالقبض على المتهمين بقتل جندي ينتمي لإحدى تلك القبائل.
وامتنعوا عن القيام بثارات قبلية ضد القبيلة التي قتل فيها الجندي، مما اضطر وزير الداخلية اللواء رشاد العليمي في أثناء لقائه بوفد منهم بالتوجيه لإحالة المتهمين في قضية القتل إلى القضاء وهو ما ينتظرون تطبيقه.
من جانبه كشف الصحفي نصر المسعدي عن 40 أسرة يصل عدد أفرادها أكثر من 100 شخص يعتصمون في مخيم منذ 6 سنوات بعد هجرتهم من محافظة البيضاء إلى الضالع بعد خلافات مع شيخ قبلي.
المسوري.. رمز النضال السلمي
إلى جانب القبائل كانت هناك قصص فردية أحد أبطالها معاذ المسوري وهو ضابط في الداخلية ينتمي لقبيلة مسور إحدى قبائل خولان بمحافظة عمران المجاورة للعاصمة.
فقد بدأ المسوري، الذي يعيش بمنطقة قبلية معروف بضعف سيطرة الدولة عليها اعتصاما مفتوحا في 1 ديسمبر 2006، ولم تحل قضيته إلا بصلح قبلي في فبراير 2008.
ودخل المسوري في نزاع مع مدير مرور صنعاء بعد رفضه استقطاع مبالغ مالية من مستحقاته ومرتباته، لكنه حبس واتهم بتزوير أوراق رسمية وأرقام سيارات.
وبرغم عرض قبائل مسور على معاذ التدخل فإنه رفض كل ذلك، واختار طريقا سلميا حيث برأه المجلس التأديبي بوزارة الداخلية من التهم الموجهة إليه وقرر إعادته إلى عمله وصرف جميع مستحقاته المالية.
ولكن كل ذلك لم ينفذ؛ وهو ما دعا معاذ لمواصلة قرار الاحتجاج السلمي باعتباره "وسيلة كفيلة بإرجاع حقوقي دون قطرة دم واحدة" على حد تعبيره.
ونشر المسوري خلال عام بيانات وبلاغات صحفية ورسائل تطالب بالتضامن معه إلى جميع الأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان المحلية.
ومن الوسائل التي اتخذها للفت أنظار الرأي العام والصحافة إليها عمل جنازة رمزية توضح "وفاة العدالة والإنصاف في اليمن"، وقام بتشييعها واستقبال العزاء فيها وفتح محاضر لجمع توقيعات المتضامنين معه من المواطنين العاديين في الشارع ومن النخبة.
وبرغم تعرض المسوري للتهديد والخطف والمضايقات والسجن والإحالة إلى نيابة الجزائية المتخصصة في قضايا الإرهاب فإن معاذ يخرج بعد كل شدة أكثر انتصارا.
وانتهت مشكلة المسوري ليس أمام القضاء إنما بتحكيم قبلي قضى باعتذار مدير عام المرور له وإعادة حقوقه المالية وإرجاعه لعمله السابق.
وتعليقا على قضية المسوري قال خالد الآنسي المدير التنفيذي للهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات (هود): إن المسوري يعد أحد رموز النضال السلمي، وانتصاره في نيل حقوقه أمر يبعث على الطمأنينة لكل من له مظلمة بأنه قادر على انتزاع حقه مهما كانت قوة خصمه ومركزه.
وفي إطار النضال السلمي احتضنت مناطق القبائل في المحافظات الشمالية مهرجانات (حياتنا نضال) التي نفذها حزب التجمع اليمني للإصلاح للمطالبة بحقوق المواطنين، مثل تخفيض الأسعار |