|
 ترى ماذا سيكون رد فعلك حين أخبرك أن الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان فارسيا؟! وبالتالي لم تكن القادسية غير معركة داخلية كان المنتصر والمهزوم فيها أبناء فارس على نحو ما. وماذا سيكون رد فعلك حين أخبرك أنه لدي وثيقة نص الجدل الذي دار بين جان بول مارا أحد أشهر قادة الثورة الفرنسية، والماركيز دي ساد – الذي تنسب له السادية - لحظات نزيف الأول واحتضاره التي قضاها في حوض الاستحمام رغم أن الثابت تاريخيا أن الأول لم ير الثاني مطلقا؟! أيا ما كان رد فعلك فهل سيشابه رد فعلك إذا ما أخبرك أحدهم – غيري هذه المرة - أن زوجة السيد المسيح عليه السلام كان لها من التقديس والمكانة ما قد يفوقه هو شخصيا في مراحل تاريخية معينة؟!
الدراما والاستلهام من التاريخ
هل تتراجع الدهشة - ولو إلى حين - حين نعلم أن أعمالا درامية تعد بمثابة علامات في تاريخ الدراما قد طرحت هذه الأسئلة، بل أغرب منها؟! لكنها إذ فعلت طرحت في الوقت ذاته سؤالا أكثر إلحاحا حول مساحة الحرية التي قد يمنحها الفنان نفسه في التعامل مع حادثات تاريخية وقعت بالفعل، ومدى شرعية تلك المساحة وحدودها بالضبط.
هل سيزول العجب أم يتشبث بموقعه حين نطرح أن الدراما الكلاسيكية ذاتها ومنذ أقدم العصور لم تدع التاريخ في حاله، فمن المعروف أن الفنان استخدم التاريخ كمادة استلهام درامي منذ أقدم العهود، ليكون المصدر الثاني بعد الأسطورة.. فجد الدرامي الأثيني والذي هو الفنان اليوناني القديم، كانت الأسطورة هي مصدر جميع ما وصلنا من مسرحياته تقريبا.. باستثناء يذكر وهي "مسرحية الفرس" للكاتب اليوناني إسخيلوس.
"مسرحية الفرس" تتعرض لواقعة حقيقية، وهي الحرب التي دارت بين الفرس واليونان يوم ذاك، وشارك فيها إسخيلوس نفسه كمحارب، وهو أمر ظل يفتخر به لدرجة أنه أوصى بأن يكتب على شاهد قبره ما يفيد كونه مواطنا نال شرف الدفاع عن بلاده، أي أن واقعة كونه الكاتب المسرحي الأهم في عصره، وكونه قد حصد معظم وأهم جوائز التأليف المسرحي على الإطلاق لم يكن مادة افتخاره الأهم - لنا الله معشر الكتاب المسرحيين - والمهم أن هذا النص الفريد - يومذاك - بكونه مستلهما من وقائع تاريخية حقيقية وليس من الأسطورة كما اعتاد المتفرج اليوناني، وقد أثار النص ضجة، ليس من جراء اعتراض عائلة الملك الفارسي دارا على الشكل غير اللائق الذي ظهر به، وليس من جراء اعتراضات المؤرخين على مخالفة الوقائع التاريخية التي هم سدنتها، وليس من جراء عرضه في موعد غير ملائم وسط الكرنفال البانورامي الدرامي الرمضاني كما اعتدنا، بل لكونه قد ذكَّر اليونانيين بمآسي تلك الحرب وأوجاعها كأمة وأفراد.
استمر التاريخ مع ذلك كمادة مغرية بالاستلهام الدرامي، فرد الفعل الرافض هو العابر، لكن العمل يكون قد مر مدموغا بظرف التلقي الرافض لكن الرفض يبقى إطارا يحفظ الواقعة أكثر من أن يخفيها، وبلغة اليوم نقول إن الرفض يكون هو توابل دعائية في فعل التلقي ذاته.
فإن كانت الدراما الكلاسيكية قد ظهر فيها التاريخ كمادة للاستلهام الدرامي، فإن الرومانتيكية بتغليبها للنزعة الذاتية الفردية للفنان بداهة تعطي صلاحيات إضافية المبدع في التعبير وبحرية عما يريد أن ينسجه ويقوله، وعن تيار الرومانتيكية صدرت عبارة "التاريخ ليس سوى مشجب أعلق عليه أعمالي" بعبارة أخرى، الفنان الرومانتيكي قرر أن يستخدم التاريخ كشماعة يعلق عليها ما بداخله من رؤى وتصورات.. وليس لعرض التاريخ كما هو.
مدراس في الدراما التاريخية
يطيب لكثيرين من المحللين الفنيين أن يعتبر كل التيارات الفنية منبثقة ومتفرعة على نحو ما، إما عن الكلاسيكية أو عن الرومانتيكية، ودعنا إجرائيا نساوق هذا التصور مرحليا فنقول مثلا: إن السريالية هي اتجاه ذو ميل رومانتيكي، ونقول: إن الطبيعية هي اتجاه ذو ميل كلاسيكي، هذا إذا ما انطلقنا من كون الذات هي المرجعية المكينة لأي معرفة ممكنة عن العالم.
هنا سنجد الرومانتيكية وحفيدتها السريالية التي تنطلق من فضاء العقل الباطن، وهلاوس التخدير، وفوضى الأحلام، أي أنها ترتد إلى الذات.. قل غير ذلك حين تريد أن تتعقب الطبيعية حين تنطلق من الخارج وتعطل الذات بوصفها مدركا للعالم فتطالب الفنان بأن يكون آلة تصوير فوتوغرافي للواقع.. وهي في هذا السعي تعيد إنتاج فن يتحرك من الواقع بالأساس وليس من الذات.
هنا يمكن لنا أن نتصور طريقة التعامل مع التاريخ كمادة للاستلهام الدرامي لدى هؤلاء وأولئك، فبالنسبة للسرياليين سيكون التاريخ مثلا ليس سوى شكل معالجة جماعية اتفاقية منطقية يكمن من خلفها لاوعي جمعي بدائي حر مقموع، على الفنان أن يعيد الكشف عنه بخلخلة القشرة الحضارية المنطقية الواقعية الزائفة، وفي هذا الفضاء ومثلما يحدث في الحلم تختلط الأزمنة بالأمكنة بالشخصيات، فوقائع ما حدث للمسيح في العشاء الأخير مع حوارييه، تختلط بما حدث منهم معه أثناء عظة الجبل، هذا ما نجده وأكثر في لوحة سليفادور دالي، فالحواريون يستسلمون للنوم، وبينهم المسيح ولكن النائمين يحلمون به في السماء أبا و ربا.
الخلط هنا بين ما يجري في اليقظة وبين ما يحلمون به تام وحاضر، وكل اللحظات تختلط لتصنع لحظة كثيفة هي لحظة اللوحة الملخصة لحكاية المسيح ومن خلف ستر نافذة زجاجية تنتمي للعصر الحديث عصرنا نحن في خلفية المشهد نلمح اليد الممدودة من السماء.
والواقع أن الحادثة برمتها لا تنتمي للتاريخ وتصنع مع المتلقي الحاضر قطيعة العفو، بل على العكس تؤكد حضوره وإنها لم تصنع إلا له، وهو ما يرتبط مع اللاشعور الجمعي بأن المسيح هو للمتلقي الفرد مخلص ذاتي.
بالنسبة للطبيعية التي تخرج من نسل الكلاسيكية، ستنطلق من الخارج وليس من ذاتية الفنان ورؤيته الداخلية ومن ثم لا تحتفي بتمثلاته هو للتاريخ، بل على العكس ستحاول أن تكون موضوعية للحد الذي يحول الفنان إلى آلة تصوير فوتوغرافي تنقل الشيء كما هو، وهو الأمر البديهي المتسق مع اعتقاد الفنان الطبيعي بحتمية الوراثة والبيئة، الأمر الذي يجعل أي إمكانية للتغيير غير واردة، ويقتصر دوره على نقل الواقع دون محاولة في تغييره.
الملاحم والسير
|
|
السيرة الهلالية.. تاريخ بطل |
هذا عن بعض أنماط عرض التاريخ من لدن فنان ينتمي لسياق المؤسسة الثقافية بمراجعاتها وتطوراتها، ماذا عن الفنان الشعبي التلقائي أو بعبارة أخرى الجندي المجهول صانع السير والروايات والملاحم؟
الأعمال التي عرضت لسير تاريخية من منظور شعبي، بما يجعلها تاريخ الشعوب التي دونت فيها خلاصة تجاربها وعصارة حكمتها في آنية فنية تسمح بتداولها في يسر، افتخرت فيها بأعمال أبطالها، فهو تاريخ أمة، كما طاب لها أن تسجله لتستلهمه من بعد، تلك الملاحم قد سجلت هذا التاريخ بتصريف، هذا التصريف الذي نطلق عليه الذاكرة، وفي الوقت الذي يتصور فيه كثير منا أن الذاكرة هي آلة حفظ رقمية ومنضبطة، تكشف الأبحاث كل يوم عن أنها تحفظ ما تحفظ بتعديلات تطور الوعي ذاته، فكثير من أشباح الطفولة التي سجلناها يحدث بها الوعي نوعا من التحديث والتبديل، لتبقى من الذكرى فقط ما يقبله العقل هنا والآن، إلا فيما ندر.
هذا هو شأن الشعوب في حفظ تاريخها فنيا، ويظهر هذا الأمر في تجل آخاذ في الملاحم خاصة، ونوضح المثال الذي افتتحنا به المقال وهو كون سعد بن أبي وقاص ابن عمومة للفرس، نجد هذا الأمر في "الشاهنامه" ملحمة الفرس العظيمة، وكتاب "ملوك الفرس" كما رصدته المخيلة الشعبية عبر التوثيق الشفهي لقرون، فالسيرة تبدأ منذ خلق العالم، وحتى معركة القادسية.
ويبدو أن المزاج الشعبي الفارسي، مع تحول الفرس إلى الإسلام لم يخل من بواعث شعور بمجد قومي ظهر بعنف في حركة تاريخية عرفت فيما بعد بالشعوبية، المهم أن هذا الميل القومي أبى إلا أن يجعل للبطل العربي الصميم قرابة نسبية بعيدة بالفرس.
لقد جعل لـ"أفرودين" وهو أحد ملوك فارس الماثلوجيين القدماء - وتشبه حكايته إلى حد مذهل سيرة النبي نوح، حتى في خروج السلالات البشرية الأساسية منه، وكذا الهلاك العظيم للأرض في عهده - نسبا في قبائل عربية، وكذا تزوج أبناؤه الثلاثة من بنات ملوك اليمن - أصل العاربة - حدث هذا في عهود بائدة، بما يجعل الإيرانيين على أقل تقدير أخوال سعد، كذا يجعل "رستم" بطل أبطال الشاهنامه، ودرة التاج الفارسي ابن روذابة - الملقبة في السيرة بالمخدرة العربية - وهي ابنة مهراب ملك كابل بن الضحاك أبو العرب، وبذلك يكون العرب أخوال رستم، كما أن أخوال سعد هم من الفرس.
مصالحة ولو بالحيلة
طبعا أي مؤرخ حرفي سيجد في هذا هذرا أي هذر وتحريفا فتخريف، غير أنه من أجمل ما تمتع به الفرس عدم تبرئهم من تراثهم العريق، واعتباره تراث كفر وعار، بل تصالحهم معه ولو بالحيلة، وليس مثل شعوب تتشدق بعظمة أجدادها في حصة التاريخ، ثم تعود فتلعنهم في حصة الدين.
وقبل أن يستاء أحد من هذه النتيجة، نقول إن التراث العربي الفني قام بمثل ذلك، ففي السيرة الهلالية على سبيل المثال، وبالتحديد في أهم أحداثها، ما يعرف بالتغريبة، وهي موجة الهجرة الكبيرة التي قامت بها قبائل من نجد، منها قبائل: هلال، وسليم، ودريد، والأثبج، ورياح، والتي هاجرت من نجد في منتصف القرن الخامس الهجري، واستمرت موجات الزحف لما يقرب من قرن، وقد استطاع عبد المؤمن بن علي إمام الموحدين التصدي لها، بعد أن وطن بعضها، واستعان ببعضها على بعض.
وأصل الأمر أن هذا الزحف قد تم بتدبير الوزير اليازوري وزير الخليفة الفاطمي في مصر، والذي منح المعز بن باديس حاكم إفريقية عام 435 هـ لقب (شرف الدولة)، وبدلا من أن ينحاز المعز بعد هذه المنحة للخليفة الفاطمي، انحاز لعامة شعبه الذين قاموا بثورة ضد أصحاب المذهب الشيعي من أساسه، وبالفعل أمام الثورة الشعبية، نادى المعز باتباع مذهب الإمام مالك، وخطب في المساجد للخليفة العباسي القائم بأمر الله، واعترف له الأخير باستقلال المغرب تحت إمرته، فجن جنون الخليفة الفاطمي في مصر مما يحتسب نصرا عظيما ومجانيا للخليفة السني في بغداد، فأشار عليه وزيره الداهية اليازوري بتحريض قبائل نجد بالزحف على تونس، فكان ما كان.
وبديهي أن تصدى المعز لهذا الزحف.. وتألف جيشه من قبيلتي زناتة وصنهاجة، ويقال إن هروب زناتة بعد بطولاته الخارقة التي أذهلت الغزاة، هو ما حسم الأمر لهم، بعد أن أوشكوا على الهزيمة على يده وكاد اليأس أن يفتك بهم.
الهلالية تلون هذا التاريخ بالدراما فتجعل زناتة أو الزناتي خليفة وحلفاءه الطامعين فيما ليس لهم.. فهم قد طمعوا في أرض يحكمها الأمير عزيز الدين بن الملك جبر القرشي، فاستولوا عليها بالخداع وقتلوا أشرافها في المسجد فخرجوا بذلك عن منعة دم المسلم، فاستعان الشريف القرشي بقبائل نجد، ليردوا له حقه السليب.
فننا الجماعي الشعبي إذن لم يحفل بالوقائع التاريخية بدوافعها بل أعطى نفسه الحق في التصرف فيها.. وعني بصنع مبرر أخلاقي يمكن من خلاله رؤية الحادثات العدوانية التي هيأت لها المجاعة واستخدمتها الساسة ألوانا من البطولة.
بقي أن أرسطو نفسه وفي تمييزه للفن عن التاريخ رأى أن الفن تعلو قيمته بالمعنى والإحكام، فهو يقول شيئا وهو يبدأ من نقطة معينة ليصل لذروة ونهاية، لكن التاريخ لا يمكن الكشف عن معماره وعلته، ومن ثم يملك الفن درجة من الحصانة والجدوى تؤهلها له بنيته ووظيفته معا، لا يملكها التاريخ، ثم هو يطاول الفلسفة، بكونه يحمل معنى، ويتجاوزها من حيث يعرض هذا المعنى بطريقة آثره لا تملكها الفلسفة، أخيرا بات من الواضح أن الفن حين يسول لنفسه مداعبة التاريخ هو يفعل وفي جرابه دفوعه. |